فصل: قال الخازن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



و{يرتع} بكسر العين من رعي الغنم، أي ليتدرب بذلك ويترجَّل؛ فمرّة يرتع، ومرة يلعب لصغره.
وقال القُتَبيّ {نرتع} نَتَحارس ونَتَحافظ، ويرعى بعضنا بعضًا؛ من قولك: رعاك الله؛ أي حفظك.
{ونلعب} من اللعب وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف قالوا {ونلعب} وهم أنبياء؟ فقال: لم يكونوا يومئذ أنبياء.
وقيل: المراد باللعب المباح من الانبساط، لا اللعب المحظور الذي هو ضدّ الحق؛ ولذلك لم ينكر يعقوب قولهم: {ونلعب}.
ومنه قوله عليه السلام: «فهَلاَّ بِكْرًا تُلاعبها وتُلاعبكَ» وقرأ مجاهد وقَتَادة: {يُرتِع} على معنى يُرتِع مطيته، فحذف المفعول؛ {ويَلْعَبُ} بالرفع على الاستئناف؛ والمعنى: هو ممن يلعب.
{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من كل ما تخاف عليه.
ثم يحتمل أنهم كانوا يخرجون ركبانًا، ويحتمل أنهم كانوا رجّالة.
وقد نقل أنهم حملوا يوسف على أكتافهم ما دام يعقوب يراهم، ثم لما غابوا عن عينه طرحوه ليعدو معهم إضرارًا به.
قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي ليحزنني أَن تَذْهَبُواْ بِهِ}
في موضع رفع؛ أي ذهابكم به.
أخبر عن حزنه لغيبته.
{وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب} وذلك أنه رأى في منامه أن الذئب شدّ على يوسف، فلذلك خافه عليه؛ قاله الكلبيّ.
وقيل: إنه رأى في منامه كأنه على ذروه جبل، وكأن يوسف في بطن الوادي، فإذا عشرة من الذئاب قد احتوشته تريد أكله، فدرأ عنه واحد، ثم انشقّت الأرض فتوارى يوسف فيها ثلاثة أيام؛ فكانت العشرة إخوته، لما تمالؤوا على قتله، والذي دافع عنه أخوه الأكبر يهوذا، وتواريه في الأرض هو مقامه في الجب ثلاثة أيام.
وقيل: إنما قال ذلك لخوفه منهم عليه، وأنه أرادهم بالذئب؛ فخوفه إنما كان من قتلهم له، فكنى عنهم بالذئب مساترة لهم؛ قال ابن عباس: فسماهم ذئابًا.
وقيل: ما خافهم عليه، ولو خافهم لما أرسله معهم، وإنما خاف الذئب؛ لأنه أغلب ما يخاف في الصحارى.
والذئب مأخوذ من تَذَاءبت الريح إذا جاءت من كل وجه؛ كذا قال أحمد بن يحيى؛ قال: والذئب مهموز لأنه يجيء من كل وجه.
وروى ورش عن نافع {الذِّيبُ} بغير همز، لما كانت الهمزة ساكنة وقبلها كسرة فخففها صارت ياء.
{وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أي مشتغلون بالرعي.
قوله تعالى: {قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده عنه.
{إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ} أي في حفظنا أغنامنا؛ أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا.
وقيل: {لَخَاسِرُونَ} لجاهلون بحقه.
وقيل: لعاجزون.
قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ}
أَنْ في موضع نصب؛ أي على أن يجعلوه في غيابة الجبّ.
قيل في القصة: إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقًا غليظًا ليحفظُنّه، وسلّمه إلى روبيل وقال: يا روبيل! إنه صغير، وتعلم يا بنيّ شفقتي عليه؛ فإن جاع فأطعمه، وإن عطش فاسقه، وإن أَعْيا فاحمله ثم عَجِّل بردّه إليّ.
قال: فأخذوا يحملونه على أكتافهم، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر، ويعقوب يُشيِّعهم ميلا ثم رجع؛ فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشدّ مما عند الآخر من الغيظ والعسف؛ فاستغاث بروبيل وقال: أنت أكبر إخوتي، والخليفة من بعد والدي عليّ، وأقرب الأخوة إليّ، فارحمني وارحم ضعفي فلطمه لطمة شديدة وقال: لا قرابة بيني وبينك، فادع الأحد عشر كوكبًا فلتنجك منا؛ فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه، فتعلق بأخيه يهوذا وقال: يا أخي! ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني، وارحم قلب أبيك يعقوب؛ فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده؛ فرقّ قلب يهوذا فقال: والله لا يصلون إليك أبدًا ما دمتُ حيًّا، ثم قال: يا إخوتاه! إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا، فردوا هذا الصبيّ إلى أبيه، ونعاهده ألا يحدّث والده بشيء مما جرى أبدًا؛ فقال له إخوته: والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب، والله لئن لم تدعه لنقتلنّك معه، قال: فإن أبيتم إلا ذلك فهاهنا هذا الجبّ الموحش القفر، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقُوه فيه، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد، وقد استرحتم من دمه، وإن انفلت على أيدي سيّارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد؛ فأجمع رأيهم على ذلك؛ فهو قول الله تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب} وجواب {لما} محذوف؛ أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم. وقيل: جواب لما قولهم: {قَالُواْ يَأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ}.
وقيل: التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها، هذا على مذهب البصريين؛ وأما على قول الكوفيين فالجواب.
{أوحينا} والواو مقحمة، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى؛ قال الله تعالى: {حتى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] أي فتحت، وقوله: {حتى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور} [هود: 40] أي فار.
قال امرؤ القيس:
فَلَمَّا أَجَزْنَا ساحَة الحيِّ وانَتَحى

أي انتحى؛ ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ} [الصافات: 103-104] أي ناديناه.
وفي قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} دليل على نبوّته في ذلك الوقت.
قال الحسن ومجاهد والضّحاك وقَتادة: أعطاه الله النبوّة وهو في الجبّ على حجر مرتفع عن الماء.
وقال الكَلْبيّ: ألقي في الجبّ وهو ابن ثماني عشرة سنة، فما كان صغيرًا؛ ومن قال كان صغيرًا فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه.
وقيل: كان وحي إلهام كقوله: {وأوحى رَبُّكَ إلى النحل} [النحل: 68].
وقيل: كان منامًا، والأوّل أظهر والله أعلم وأن جبريل جاءه بالوحي.
قوله تعالى: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا} فيه وجهان: أحدهما أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا؛ فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجبّ تقوية لقلبه، وتبشيرًا له بالسلامة.
الثاني أنه أوحي إليه بالذي يصنعون به؛ فعلى هذا (يكون) الوحيُ قبل إلقائه في الجبّ إنذارًا له.
{وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أنك يوسف؛ وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته بمكانه.
وقيل: بوحي الله تعالى بالنبوة؛ قاله ابن عباس ومجاهد.
وقيل: الهاء ليعقوب؛ أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف، وأنه سيعرِّفهم بأمره، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه، والله أعلم.
ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجبّ ما ذكره السدّيّ وغيره أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر، تعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ونزعوا قميصه؛ فقال: يا إخوتاه! ردّوا عليّ قميصي أتوارى به في هذا الجبّ، فإن متّ كان كفني، وإن عشت أواري به عورتي؛ فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبًا فلتؤنسك وتكسك؛ فقال: إني لم أر شيئًا، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت؛ فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صَخْرَةٍ فقام عليها.
وقيل: إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة، وكان جبريل تحت ساق العرش، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي؛ قال جبريل: فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالمًا.
وكان ذلك الجبّ مأوى الهوام؛ فقام على الصّخرة وجعل يبكي، فنادوه، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم، فأجابهم؛ فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا، وكان يهوذا يأتيه بالطعام؛ فلما وقع عريانًا نزل جبريل إليه؛ وكان إبراهيم حين ألقي في النار عريانًا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فكان ذلك عند إبراهيم، ثم ورثه إسحق، ثم ورثه يعقوب، فلما شَبّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه، فكان لا يفارقه؛ فلما ألقي في الجبّ عريانًا أخرج جبريل ذلك القميص فألبسه إياه.
قال وهب: فلما قام على الصخرة قال: يا إخوتاه! إن لكل ميت وصية، فاسمعوا وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا اجتمعتم كلّكم فآنس بعضكم بعضًا فاذكروا وحشتي، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي، وإذا شربتم فاذكروا عطشي، وإذا رأيتم غريبًا فاذكروا غربتي، وإذا رأيتم شابًا فاذكروا شبابي؛ فقال له جبريل: يا يوسف! كف عن هذا واشتغل بالدعاء، فإن الدعاء عند الله بمكان؛ ثم علمه فقال: قل اللهم يا مؤنس كلّ غريب، ويا صاحب كلّ وحيد، ويا ملجأ كلّ خائف، ويا كاشف كل كربة، ويا عالم كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، ويا حاضر كل ملإ، يا حيّ يا قيوم! أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي، حتى لا يكون لي همّ ولا شغل غيرك، وأن تجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا، إنك على كل شيء قدير؛ فقالت الملائكة: إلهنا نسمع صوتًا ودعاء، الصوت صوت صبيّ، والدعاء دعاء نبيّ.
وقال الضّحاك: نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجبّ فقال له: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب؟ فقال: نعم! فقال له: قل يا صانع كلّ مصنوع، ويا جابر كل كَسِير، ويا شاهد كل نَجْوى، ويا حاضر كل ملإ، ويا مفرّج كل كربة، ويا صاحب كل غريب، ويا مؤنس كل وحيد، ايتني بالفرج والرجاء، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدًا سواك؛ فرددها يوسف في ليلته مرارًا؛ فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجبّ. اهـ.

.قال الخازن:

{قالوا} يعني: قال إخوة يوسف ليعقوب: {يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف} بدؤوا بالإنكار عليه في ترك إرسال يوسف معهم كأنهم قالوا: أتخافنا إذا أرسلته معنا: {وإنا له لناصحون} المراد بالنصح هنا القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف والمعنى وإنا لعاطفون عليه قائمون بمصلحته وبحفظه، وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وذلك أنهم قالوا لأبيهم أرسله معنا فقال يعقوب إني ليحزنني أن تذهبوا به فحينئذ قالوا: مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ثم قالوا.
{أرسله معنا غدًا} يعني إلى الصحراء: {يرتع} الرتع هو الاتساع في الملاذ يقال رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته والأصل في الرتع أكل البهائم في الخصب زمن الربيع ويستعار للأنسان إذا أريد به الأكل الكثير: {ويلعب} اللعب معروفة وقال الراغب: يقال لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصدًا صحيحًا سئل أبو عمرو بن العلاء كيف قالوا نلعب وهم الأنبياء فقال كم يكونوا يومئذ أنبياء ويحتمل أن يكون المراد باللعب هنا الإقدام على المباحات لأجل إنشراح الصدر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لجابر «هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك» وأيضًا فإن لعبهم كان الاستباق وهو غرض صحيح مباح لما فيه من المحاربة والإقدام على الأقران الحرب بدليل قوله نستبق وإنما سموه لعبًا لأنه في صورة اللعب وقيل في معنى نرتع ونلعب نتنعم ونأكل ونلهو وننشط: {وإنا له لحافظون} يعني نجتهد في حفظه غاية الاجتهاد حتى نرده إليك سالمًا: {قال} يعني قال لهم يعقوب: {إني ليحزنني أن تذهبوا به} أي: ذهابكم به والحزن هنا ألم القلب بفراق المحبوب ومعنى الآية أنه لما طلبوا منه أن يرسل معهم يوسف اعتذر يعقوب بعذرين أحدهما أن ذهابهم به ومفارقته إياهم يحزنه لأنه كان لا يقدر أن يصبر عنه ساعة والثاني قوله: {وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون} يعني إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام أن ذئبًا شد على يوسف فكان يعقوب يخاف عليه من ذلك وقيل كانت الذئاب في أرضهم كثيرة: {قالوا} يعني قال إخوة يوسف مجيبين ليعقوب: {لئن أكله الذئب ونحن عصبة} أي جماعة عشرة رجال: {إنا إذًا لخاسرون} يعني عجزة ضعفاء وقيل إنهم خافوا أن يدعو عليهم يعقوب بالخسار والبوار وقيل معناه إنا إذا لم نقدر على حفظ أخينا فكيف نقدر على حفظ مواشينا فنحن إذًا خاسرون.
قوله: {فلما ذهبوا به} فيه إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا به: {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} يعني وعزموا على أن يلقوه في غيابة الجب.
ذكر قصة ذهابهم بيوسف:
قال وهب، وغيره من أهل السير والإخبار: إن إخوة يوسف قالوا له أما تشتاق أن تخرج معنا إلى مواشينا فنصيد ونستبق قال بلى قالوا له أنسأل أباك أن يرسلك معنا، قال يوسف: افعلوا فدخلوا بجماعتهم على يعقوب، فقالوا: يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا إلى مواشينا فقال يعقوب: ما تقول يا بني؟ قال: نعم يا أبت إني أرى من إخوتي اللين واللطف فأحب أن تأذن لي، وكان يعقوب يكره مفارقته ويحب مرضاته فأذن له وأرسله معهم فلما خرجوا به من عند يعقوب جعلوا يحملونه على رقابهم ويعقوب ينظر إليه فلما بعدوا عنه وصاروا إلى الصحراء وألقوه على الأرض وأظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعلوا يضربونه فجعل كلما جاء إلى واحد منهم واستغاث به ضربه فلما فطن لما عزموا عليه من قتله جعل ينادي يا أبتاه يا يعقوب لو رأيت يوسف وما نزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاء شديدًا فأخذه روبيل وجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله، فقال له يوسف: مهلًا يا أخي لا تقتلني، فقال له: يا ابن راحيل أنت صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ولوى عنقه، فاستغاث يوسف بيهوذا وقال له اتق الله فيّ وحلّ بيني وبين من يريد قتلي فأدركته رحمة الإخوة ورق له فقال يهوذا يا إخوتي ما على هذا عاهدتموني ألا أدلكم على ما هو أهون لكم وأرفق به فقالوا وما هو قال تلقونه في هذا الجبّ إما أن يموت أو يلتقطه بعض السيارة فانطلقوا به إلى بئر هناك على غير الطريق واسع الأسفل ضيق الرأس فجعلوا يدلونه في البئر فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي لأستتر به في الجب فقالوا ادع الشمس والقمر والكواكب تخلصك وتؤنسك فقال إني لم أر شيئًا فألقوه فيها ثم قال لهم يا إخوتاه أتدعوني فيها فريدًا وحيدًا وقيل جعلوه في دلو ثم أرسلوه فيها، فلما بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة كانت في البئر فقام عليها وقيل نزل عليه ملك فحل يديه وأخرج له صخرة من البئر فأجلسه عليها، وقيل إنهم لما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركته فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ليقتلوه فمنعهم يهوذا من ذلك وقيل إن يعقوب لما بعثه مع إخوته أخرج له قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه من الجنة حين ألقي في النار فجعله يعقوب في قصبة فضة وجعلها في عنق يوسف فألبسه الملك إياه حين ألقي في الجب فأضاء له الجب.
وقال الحسن: لما ألقي يوسف في الجب عذب ماؤه فكان يكفيه عن الطعام والشراب ودخل عليه جبريل فأنس به فلما أمسى نهض جبريل ليذهب فقال له إنك إذا خرجت استوحشت فقال له إذا رهبت شيئًا فقل يا صريخ المستصرخين ويا غوث المستغيثين ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شيء من أمري فلما قالها يوسف حفته الملائكة واستأنس في الجب، وقال محمد بن مسلم الطائفي: لما ألقي يوسف في الجب قال: يا شاهدًا غير غائب ويا قريبًا غير بعيد ويا غالبًا غير مغلوب اجعل لي فرجًا مما أنا فيه فما بات فيه واختلفوا في قدر عمر يوسف يوم ألقي في الجب فقال الضحاك ست سنين وقال الحسن: اثنتا عشرة سنة، وقال ابن السائب: سبع عشرة سنة، وقيل: ثمان عشرة سنة، وقيل: مكث في الجب ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حوله وكان يهوذا يأتيه بالطعام فذلك قوله تعالى: {وأوحينا إليهم لتنبئنهم بأمرهم هذا} يعني لتخبرن إخوتك قال أكثر المفسرين: إن الله أوحى إليه وحيًا حقيقة فبعث إليه جبريل يؤنسه ويبشره بالخروج ويخبره أنه سينبئهم بما فعلوا ويجازيهم عليه هذا قول طائفة عظيمة من المحققين ثم القائلون بهذا القول اختلفوا هل كان بالغًا في ذلك الوقت أو كان صبيًا صغيرًا فقال بعضهم إنه كان بالغًا وكان عمره خمس عشرة سن وقال آخرون بل كان صغيرًا إلا أن الله أكمل عقله ورشده وجعله صالحًا لقبول الوحي والنبوة كما قال في حق عيسى.
فإن قلت كيف جعله نبيًا في ذلك الوقت ولم يكن أحد يبلغه رسالة ربه لأن فائدة النبوة والرسالة تبليغها إلى من أرسل إليه.
قلت: لا يمتنع أن الله يشرفه بالوحي ويكرمه بالنبوة والرسالة في ذلك الوقت، وفائدة ذلك تطييب قلبه وإزالة الهمّ والغمّ والوحشة عنه ثم بعد ذلك يأمره بتبليغ الرسالة في وقتها وقيل إن المراد من قوله وأوحينا إليه وحي إلهام كما في قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل}، {وأوحينا إلى أم موسى} والقول الأول وقوله تعالى: {وهم لا يشعرون} يعني بإيحائنا إليك وأنت في البئر بأنك ستخبرهم بصنيعهم هذا، والفائدة في إخفاء ذلك الوحي أنهم إذا عرفوه فربما ازداد حسدهم له.
وقيل: إن الله تعالى أوحى إلى يوسف لتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا بعد هذا اليوم وهم لا يشعرون بأنك أنت يوسف والمقصود من ذلك تقوية قلب يوسف وأنه سيخلص مما هو فيه من المحنة ويصير مستوليًا عليهم ويصيرون تحت أمره وقهره. اهـ.